الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

41

نفحات الولاية

القسم الثامن : سر الخلق « الْمُنْشِىُ أَصْنافَ الْأَشْياءِ بِلا رَوِيَّةِ فِكْرٍ آلَ إِلَيْها ، وَلا قَرِيحَةِ غَرِيزَةٍ أَضْمَرَ عَلَيْها ، وَلا تَجْرِبَةٍ أَفادَها مِنْ حَوادِثِ الدُّهُورِ وَلا شَرِيكٍ أَعانَهُ عَلَى ابْتِداعِ عَجائِبِ الْأُمُورِ ، فَتَمَّ خَلْقُهُ بِأَمْرِهِ ، وَأَذْعَنَ لِطاعَتِهِ ، وَأَجابَ إِلَى دَعْوَتِهِ ، لَمْ يَعْتَرِضْ دُونَهُ رَيْثُ الْمُبْطِىِ ، وَلا أَناةُ الْمُتَلَكِّىِ ، فَأَقَامَ مِنَ الْأَشْياءِ أَوَدَها ، وَنَهَجَ حُدُودَها ، وَلاءَمَ بِقُدْرَتِهِ بَيْنَ مُتَضادِّها ، وَوَصَلَ أَسْبَابَ قَرائِنِها ، وَفَرَّقَها أَجْناساً مُخْتَلِفاتٍ فِي الْحُدُودِ وَالْأَقْدارِ ، وَالْغَرائِزِ وَالْهَيْئاتِ ، بَدايا خَلائِقَ أَحْكَمَ صُنْعَها وَفَطَرَها عَلَى ما أَرادَ وَابْتَدَعَها ! » . الشرح والتفسير خاض الإمام عليه السلام في هذا المقطع من الخطبة في كيفية خلق الموجودات على أنّ اللَّه سبحانه وتعالى خلقها من دون حاجة إلى التفكير ، أو غريزة مستترة في الباطن ، إلى جانب الغنى عن تجارب الماضي وسالف الدهور ، وبالتالي دون الحاجة إلى عضيد وشريك « المنشى أصناف الأشياء بلا روية فكر آل إليها ، ولا قريحة « 1 » غريزة أضمر عليها ، ولا تجربة أفادها من حوادث الدهور ، ولا شريك أعانه على ابتداع عجائب الأمور » . فالواقع هو أنّ أُسس علمنا ومعرفتنا بالحقائق إنّما تستند إلى أحد أربع : الفكر والتروي ، أو الالهام الباطني الذي يصطلح عليه بالغريزة ، أوالتجربة التي يحصل عليها الإنسان من

--> ( 1 ) قريحة : كما أسلفنا سابقاً في الأصل ، بمعنى أول ماء يخرج من البئر عندما يحفر ، وكذلك يطلق على مايتفتق من أعمال فكر وذوق الانسان . ويشمل ذلك الغريرة التي هي بمعنى الطبيعة ، وهو الشيء الذي يحصل عليه الانسان بمساعدة ذوقه وطبعه . ويصح هذا المعنى أيضاً على غير الانسان ، فمثلًا أكثر الطيور تقوم ببناء أعشاشها وتربية فراخها والهجرة الطويلة وبشكل جماعي وأمثال ذلك ، كل هذا يتم بواسطة القريحة والغريزة .